أشترك في النشرة البريدية
ضع بريدك الألكتروني هنا
: ما رأيك في الموقع الجديد ؟
ما رأيك في الموقع الجديد ؟
قراءة لمؤتمر الرياض بشأن اليمن | تقاريــر | الرئيسية

قراءة لمؤتمر الرياض بشأن اليمن

حجم الخط: Decrease font/a> Enlarge font
image

د / مثنى المحلي

 تاج عدن.. خاص

عقد في الرياض يومي 27-28 فبراير 2010 م، مؤتمر للمانحين لليمن المكون من دول مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوربي واليابان ، وهو المؤتمر الذي انبثق عن مؤتمر لندن الذي عقد في شهر يناير الماضي. وخلافا لتوقعات صنعاء لم يسفر مؤتمر الرياض عن أية نتائج أو قرارات ملموسة بشأن المبالغ التي قررت آنذاك بأكثر من خمسة مليار دولار والتي رصدها مؤتمر لندن عام 2006 م  للتنمية في اليمن . وعدا السعودية التي أعلنت أنها استكملت تسليم صنعاء حصتها التي التزمت بها عام 2006م ، والبالغة مليار دولار لتمويل مشاريع تنموية في اليمن ، فان بقية المانحين ربما لم يقتنعوا بوجهه نظر الحكومة اليمنية التي أشارت إلى أنها قد هيأت الأرضية المناسبة القانونية والإدارية على مدى السنوات الماضية، مثل تشكيل لجنة خاصة بالمناقصات وتشكيل اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد، وذلك بغرض استيعاب المبالغ التي وعد المانحون بتقديمها لليمن. وبحسب المراقبين الذين تابعوا مؤتمر الرياض ، فان وفد الحكومة اليمنية إلى المؤتمر ووفود المانحين وبالذات الأوربية قد تبادلوا الاتهامات خلال جلسات المؤتمر ، ففي حين اتهم الوفد اليمني المانحين الأوربيين بعرقلة جهود اليمن لاستيعاب المبالغ المخصصة للتنمية في اليمن، وربط ذلك بأمور أخرى لا تتعلق بالتنمية، وهي إشارة درج النظام في صنعاء إلى استعمالها للإيحاء برغبة الأوربيين بالتدخل في الشؤون الداخلية لليمن ، فان الأوربيين حملوا الحكومة اليمنية مسؤولية عدم استيعاب تلك المبالغ بسبب عدم أهلية مؤسسات الدولة القائمة حاليا كونها المؤسسات التي أدت ليس فقط إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية فقط وإنما الأوضاع الأمنية والسياسية ، وأشاروا إلى ضرورة أن يتبنى نظام صنعاء إستراتيجية سياسية مغايرة تماما لما هو قائم لان التنمية تعني في الأخير إصلاحات سياسية جذرية.ويتخذ المقاربة التي تتبعها الحكومة اليمنية من خلال الأوراق الخمس التي قدمتها إلى المؤتمر مؤكدين أنها مقاربة تقليدية صرفة هدفها فقط ضخ الأموال لليمن، دون أيه رؤية واضحة ومحددة بإنهاء الأزمات المركبة في اليمن.

وقد انعكست الاتهامات المتبادلة على أجواء المؤتمر وانتهى دون صدور بيان أو قرارات وتوصيات عنه بسبب الاختلافات بين الحكومة اليمنية والمانحين وبالذات الأوربيين، واستبعد كذلك عقد مؤتمر صحفي يضم رئيسا المؤتمر السعودية، ورئيس وفد اليمن ، لتجنب الإحراج الذي قد يقع فيه الجانبين وبالذات السعودية ، لأنه من المفترض أن يتحدث باسم جميع المانحين. وفي هذه الجانب نعتقد بان المجاملات ليس لها مكان في ما لو عقد مؤتمرا صحفيا، حيث سيضطر إلى توضيح وجهه نظر المانحين علنا والتي طرحت داخل المؤتمر وهي لن تكون في صالح اليمن.

يبدو أن نظام صنعاء قد حاول تكريس رؤيته للمشاكل والتحديات التي تواجهها اليمن على أنها مشكلة اقتصادية وقلة موارد بدرجة رئيسية، متجاهلا ما خلص إليه مؤتمر لندن بضرورة القيام بإصلاحات سياسية واقتصادية وبنيوية لمؤسسات وهياكل الدولة، ولذلك لم يكتفي بطلب الإفراج عن المبالغ التي رصدها المانحون في العام 2006 م بل طالب من خلال الأوراق التي قدمها إلى مؤتمر الرياض إلى تخصيص مبالغ كبيرة تصل إلى 40 مليار دولار لعددا من المشاريع وتغطية العجز في الموازنات حتى عام 2015م . واستباقا لمؤتمر الرياض زار الرئيس السعودية والبحرين طالبا من الأولى أن تبادر بالإعلان داخل المؤتمر بأنها قد استكملت تنفيذ التزاماتها في دعم اليمن بمليار دولار بهدف كسر تحفظ المانحين وللقول بان اليمن قادر على استيعاب المبالغ التي تم التبرع بها لليمن في عام 2006م . وعلى الرغم من إعلان السعودية استكمال تسليم اليمن مليار دولار ، إلا أن المراقبين ارجعوا ذلك إلى حاجة السعودية للنظام بسبب مشكلة صعدة التي لم يكتمل حلها بعد. واستعادة نفوذها في أوساط القبائل والذي كان قد تضائل كثيرا بعد حرب صيف عام 1994م . الأمر الذي سيمكنها على المدى المنظور من تجاوز ما يسميه النظام بالحساسية من أي تدخل في الشؤون السيادية لليمن ، خاصة وان السعودية سوف تضطلع بدور مهم أوكله لها مؤتمر لندن للبحث عن حلول للمشاكل والتحديات التي تواجهها اليمن ، بالتعاون مع دول المنطقة والمجتمع الدولي، وتحديدا الولايات المتحدة وبريطانيا، لمنع تحول اليمن إلى دولة فاشلة ، وللحفاظ على استقرار المنطقة والمصالح الحيوية الدولية فيها . واتساقا مع دورها المقبل في اليمن لم تمارس السعودية أيه ضغوط تذكر في مؤتمر الرياض على بقية المانحين ولا سيما دول الخليج الأخرى عمان قطر الإمارات والكويت ، بل ربما أفسحت المجال للمانحين لمواصلة ضغوطهم على نظام صنعاء وبالتالي انتهى المؤتمر دون تحقيق نتائج واضحة .

ولوحظ أن المسئولين في الرياض تجنبوا التحدث إلى وسائل الإعلام المختلفة بشان مؤتمر الرياض، إلا أن بعض الصحف السعودية تناولت الحدث وبالذات في افتتاحيتها حيث أبرزت أهمية الدعم الإقليمي والدولي لليمن لكنها أشارت أن ذلك ليس كافيا لمواجهه التحديات في اليمن مؤكدة في الوقت ذاته أن إنهاء مشاكل اليمن تتطلب إصلاحات سياسية واقتصادية جريئة تنهي حالة المظالم في جميع مناطق اليمن وبالذات في المناطق الجنوبية . وذهب بعض المتابعين السعوديين للشأن اليمني ، في بعض الفضائيات العربية إلى تحميل نظام صنعاء فشل الوحدة اليمني بعد حرب عام 94م وطالبوا بضرورة اعتراف نظام صنعاء بالقضية الجنوبية، والتفاوض مع قادة الحراك في الداخل والخارج. إلا أن ما أثار الانتباه هو حديث أستاذ العلوم السياسية  في المعهد الدبلوماسي التابع لوزارة الخارجية السعودية في الرياض الدكتور اسعد الشملان في إحدى الفضائيات ولان ما أشار إليه يعبر عن رؤية الخارجية السعودية للوضع في اليمن، حتى وان قال انه يتحدث بصفته الشخصية ، فقد أكد على مايلي:-

-          أن ما حصل ويحصل في اليمن هو نتاج لعقود من الإخفاق .

-          لابد من إعادة بناء مؤسسات الدولة المختلفة لان تلك المؤسسات هي التي أدت إلى التدهور الحالي في الأوضاع اليمنية المختلفة.

-          دول مجلس التعاون ستقدم مساعدات لليمن، لكن ليس لديها خبرة في بناء المؤسسات ، ولذلك فان دول الاتحاد الأوربي هي من  ستقوم بذلك.

- اليمن، دولة ضعيفة وإذا لم تقم بإصلاحات سياسية واقتصادية جوهرية، فقد تصبح دولة مخفقة . ولا يوجد حل سحري لإنهاء مشاكله، واليمن ، بعيدة جدا في أن تكون عضو في مجلس التعاون.

-          مفهوم السيادة المطلقة انتهى، وسيادة الدول في الوقت الراهن مشروطة بان لا تصدر مشاكلها و عدم الاستقرار إلى محيطها والعالم.

-          تشخيص اليمن على انه مشكلة اقتصادية وأمنية غير واقعي ومعالجة المشكلة على هذه الأساس لن يحلها ، لذلك يجب أن يكون المدخل سياسي.

- المطلوب هو التغيير الشامل، ولابد من عقد اجتماعي جديد، لان نموذج السلطان الذي يبقى يحكم إلى مالا نهاية ، كما كان الإمام يحكم انتهى.

-          الفيدرالية لا تتعارض مع وحدة التراب اليمني.

-          مسؤولية الخارج مهمة في التغيير، لان الحكومة لا يمكن أن تقوم بذلك بدون ضغوط خارجية.

-      

إن تشخيص مشكلة اليمن من قبل الدكتور اسعد الشملان ورؤيته للحل على النحو الذي ذكر سابقا هي في تقديرنا الرؤية الرسمية غير المعلنة للملكة العربية السعودية، وربما هي رؤية دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى والمجتمع الدولي أيضا في الوقت الراهن . وعلى الرغم إن تلك الرؤية التي  تشجع النظام على الأخذ بالفيدرالية كونها لا تتعارض مع الوحدة اليمنية. إلا أنها كما يبدو تعتبر نوعا من الضغط على النظام وطرح جريء ومتقدم على الطرح الغامض والخجول لأحزاب اللقاء المشترك والشخصيات الوطنية في وثيقة الحوار الوطني من جهة ، وتتناقض كليا مع رؤية النظام الذي واصل تكريس ضم وإلحاق الجنوب بالقوة ، وإلغاء شراكته في الوحدة منذ احتلاله عام 94م . مما يؤشر على حدوث خلافات في المستقبل ، وربما أزمات بين السعودية ومعها دول الخليج من جهة ونظام صنعاء من جهة أخرى ، إذا واصل الأخير التمترس خلف مواقفه المعروفة والتي من شانها زعزعت الاستقرار في اليمن والمنطقة برمتها.

وتزامنا مع انعقاد مؤتمر الرياض، خرج الجنوبيين في مظاهرات حاشدة في مختلف المحافظات الجنوبية استجابة لدعوة الأخ على سالم البيض وقادة الحراك في الداخل رافعين أعلام اليمن الديمقراطية والرايات الخضراء ، رغم الاعتقالات الاستباقية لبعض ناشطي الحراك والإجراءات الأمنية الاستثنائية في مختلف المدن الجنوبية، مطالبين بخروج الاحتلال واستعادة دولة اليمن الديمقراطية، ومناشدين الأشقاء والأصدقاء المجتمعين في الرياض تبني قضيتهم. وباعتراف المراقبين والمتابعين للشأن اليمني أن الحراك الجنوبي أصبح رقما كبيرا من الصعب تخطيه أو تجاهله، وان المظاهرات الحاشدة للحراك في جميع المحافظات الجنوبية وتحذيرات قادة الحراك في الداخل والخارج من أن تدفق أموال المانحين إلى نظام صنعاء سيستخدمها لمواصله الحرب على شعب الجنوب وتكريس احتلاله لأراضي الجنوب. كل ذلك قد ألقى بظلاله على مؤتمر الرياض حيث ساهمت بصورة غير مباشرة في إحباط مساعي نظام صنعاء بصرف أنظار المانحين عن مهمتهم الرئيسية المتمثلة في استعراض العوائق التي أحالت دون الاستفادة من الأموال التي رصدها مؤتمر المانحين في لندن عام 2006م والتي كان النظام لا يرغب في مناقشتها، لكي لا يتعرى أمام المانحين، لان الخلل يكمن في النظام بمؤسساته المختلفة السياسية الاقتصادية والعسكرية والأمنية.

وبفشل مساعي نظام صنعاء في التحايل على المانحين في مؤتمر الرياض والتفاف الجنوبيين حول قادة الحراك في الداخل والخارج وبالذات حول دعوة الأخ على سالم البيض لارتداء ورفع الشارات الخضراء في التظاهرات التي خرجت يومي 27-28 فبراير الماضي, وما تعنيه رفع تلك الشارات من رمزية ودلالة واضحة من أن الحراك موحد في كل محافظات الجنوب في شعاراته ومواقفه بعكس ما يروج له النظام، وملتف حول قيادته في الخارج وبالذات حول الأخ على سالم البيض باعتباره رئيسا لهم وقائدا لحراكهم لاستعادة دولتهم. فان ذلك, كما أشار بعض المراقبين، قد جعل النظام يفقد توازنه ويتصرف بطريقة هستيرية، حيث دفع بقوات أمنية وعسكرية كبيرة إلى جميع المحافظات الجنوبية ، مدججة بمختلف أنواع الأسلحة الخفيفة والثقيلة، وتقطيع أوصال المدن الجنوبية مستهلا ذلك بزنجبار والحوطة والضالع. واتبعها بمداهمات لمنازل قادة وناشطي الحراك في تلك المدن والمدن الأخرى حيث اعتقل الكثيرين منهم وقتل البعض مع أسرهم من الأطفال والنساء وتدمير وإحراق عدد من المنازل على راس ساكنيها، وقطع عن تلك المدن الكهرباء والاتصالات وفرض حالة الطوارئ غير المعلنة. وفي ما تأتي تلك الإجراءات الأمنية والعسكرية من قبل النظام باتجاه المحافظات الجنوبية تنفيذا لقرار كان قد اتخذه راس النظام قبل عده اشهر على تفجيره الحرب السادسة في صعدة يقضي بقتل واعتقال كل قادة ونشاء الحراك في كافة قرى ومدن الجنوب وفي وقت واحد. لكنه ، أي النظام اجله آنذاك كما يبدو لأسباب عديدة داخلية وخارجية أهمها مايلي.-

1-      أن النظام لم يستطع حشد عشرات الآلاف من القبائل ومن التيار الإسلامي ومن تبقى من الجنوبيين في الجيش والأمن وحلفائه الذين قاتلوا معه في حرب 94م بل يمكن القول أن معظمهم رفض الزج بهم في تنفيذ مجازر ضد أهلهم في المحافظات الجنوبية .

2-      إن لجان الدفاع عن الوحدة التي شكها النظام لم تكن فاعلة واقتصرت أفعالها على أعمال مخلة بالنظام والقانون وعادات وأعراف الجنوبيين وأساءت إلى النظام نفسه.

3-      التخوف من انكشاف ذلك المخطط عربيا ودوليا، ومدى ردة الفعل العربي والدولي إزاء عملية جنونية من هذه النوع، خاصة وانه كان ينوي إشراك تنظيم القاعدة في تلك العملية حيث جمعهم في معسكرات تدريب مخفية في محافظتي لحج وأبين.

وبإحياء النظام ذلك المخطط ، واعتماده على القوة العسكرية والأمنية تحديدا لتنفيذه ، واستخدام لغة التهديد والوعيد وهدم ما سماه بالمعبد على رؤوس الجميع، لا سيما الحراك الجنوبي وأحزاب اللقاء المشترك ، وكان خلال زيارته للمعسكرات ولقائه بالعسكريين ، قد صعد الأوضاع إلى درجة قصوى من الخطورة في رسالة منه للحراك بأنه لن يتوانى عن استخدام القوه لاقتحام المدن والقرى كخطوة ثانية بعد حصارها ، لإخماد الحراك وضربه مهما خلف ذلك من ضحايا مدنيين ومن قادة الحراك والناشطين فيه. وبهذه الخطوات الهيسترية العسكرية والأمنية، فتح النظام، الساحة كلها للاحتقان الغير مسبوق يصعب على المتابعين لشان اليمني التكهن بعواقبها وما ستؤول إليه الأوضاع فيها، حيث نعتقد إن نظام صنعاء لا يمتلك أي خيار آخر ، وان الحل العسكري الشامل في الجنوب هو الخيار الوحيد المتبقي أمامه، لضمان بقاء الوحدة التي نسب تحقيقها إليه شخصيا والحفاظ عليها عام 94م بالحرب ، كما هي الآن بدون شريك جنوبي، وكذلك ضمان الحكم للأسرة تتوارثها جيل بعد جيل. بينما نستبعد إقدام النظام على الحل العسكري الواسع والكبير تجاه الجنوب. لأنه أي النظام في اضعف حالته السياسية والاقتصادية والعسكرية وانه قد وضع تحت وصاية ورقابة دولية منذ مؤتمر لندن، وهو يدرك أن تصعيد عسكري كبير في  الجنوب سيقابل بمواقف حازمة ورادعة من المجتمع الدولي الذي يسعى إلى احتواء النظام بالتغيير التدريجي  ، لان بقاء النظام الحالي سيؤدي إلى انهيار وشيك قريبا الأمر الذي سينعكس بصورة خطيرة على الأوضاع الإقليمية والدولية. ونعتقد أن تهديدات النظام للحراك وحصار المدن الجنوبية يأتي في أطار محاولاته المتكررة لتخويف نشطا الحراك من التظاهرات والأعتصامات استباقا لمؤتمر "أصدقاء اليمن " في برلين ليتسنى له  الادعاء بان مشاكل الجنوب في طريقها  للحل من خلال اللجان التي شكلها من مجلس النواب والشورى ومن نفس المناطق للحوار مع الحراك الجنوبي . وفي خطوة موازية شدد الحصار والرقابة على مختلف وسائل الإعلام ، كان آخرها "قناة الجزيرة " التي صادر جهاز البث من مكتبها لأنها نقلت إلى الرأي العام العربي والدولي مظاهرات  واحتجاجات الحراك في المدن الجنوبية رغم الحصار العسكري والأمني الغير مسبوق الذي فرضه حولها  .بالإضافة إلى تغطيتها فعاليات أحزاب    اللقاء المشترك في صنعاء وتعز المؤيدة للحراك الجنوبي .

وفي تقديرنا فان إصرار النظام على تصوير القضية الجنوبية  وكأنها قضية مطلبيه ،وكذلك عدم اعترافه بالمشكلات والتحديات الكبيرة ، والخطيرة التي تواجهها اليمن والتهديدات  الذي تحمله للاستقرار في المنطقة وللمصالح الحيوية الدولية إنما يأتي في إطار توجه واضح غير معلن للنظام ،برفض أجندة المجتمع الدولي للإصلاحات السياسية والاقتصادية والتظاهر فقط بقبولها للحصول على أموال المانحين ، مقابل إصلاحات شكلية لا تغيير شيئا في جوهر النظام ، ويبدو من ذلك التوجه أن نظام صنعاء يتعمد قراءة التطورات الداخلية سيما في الجنوب بأسلوب مغاير للحقيقة ويتعمد كذلك قراءة تحذيرات المجتمع الدولي وبالذات الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا بنفس الأسلوب ،و اللتان أكدتا أنهما لن تسمحا بان تكون اليمن بؤرة تهديد لهما  ولدول الجوار التي تتركز فيها مصالحهما الحيوية ومصالح المجتمع الدولي ، الأمر الذي نتوقع أن تتصاعد المواجهة بينهما بعد مؤتمر برلين إذا واصل النظام أساليب الخداع ،وتجاهل مشاكله الداخلية الخطيرة واللجؤ إلى حلول أمنيه عسكريه لها .

ولآن مؤتمر برلين "لأصدقاء اليمن " سيناقش أهم القضايا الساخنة في اليمن وعلى رأسها القضية الجنوبية والإصلاحات السياسية ،فقد عقد في لندن مؤخرا لقاءا للخبراء تمهيدا للمؤتمر شارك فيه خبراء من مختلف مراكز الدراسات والبحوث الغربية والأمريكية ،وأيضا من دول مجلس التعاون الخليجي ، توصلوا فيه إلى خلاصه مفادها أن صورة الأوضاع في اليمن قاتمة جدا وان انهيار اليمن هي مسألة وقت قد لا تتعدى السنتين القادمة على أكثر تقدير ،إذا إصر النظام على تجاهل تحذيرات المجتمع الدولي للقيام بإصلاحات سياسيه واقتصاديه جذريه ، مشددين على أهمية أن يقود الرئيس اليمني ذلك التغيير شخصيا ، مالم فانه سيكون ضحية التغيير القادم ،وفي تقديرنا فان هذه الخلاصة المتشائمة جدا، هي إحدى التوصيات الثمان التي رفعها لقاء الخبراء إلى مؤتمر أصدقاء اليمن في برلين والتي تتضمن دعوة المجتمع الدولي للرئيس للقيام بإصلاحات جديه وحقيقية ، مالم فأنه يتحمل المسؤولية في حالة انهيار اليمن ليصبح دولة فاشلة .

وفيما يأتي مؤتمر أصدقاء اليمن في برلين كعمليه متواصلة ومستمرة ، تتعلق بالإصلاحات في مختلف المجالات ، فأن نظام صنعاء قد حاول جاهدا استضافة تلك المؤتمرات بهدف التأثير على أجندتها ، إلا أن الدول الغربية المانحة وبالذات الولايات المتحدة وبريطانيا رفضتا ذلك ، وفضلت عقد المؤتمر الأول في ألمانيا وبرئاسة ألمانية إماراتيه . ونعتقد أن اختيار ألمانيا لانعقاد المؤتمر له رمزيه سياسيه واضحة ،فالألمانيتين الغربية والشرقية توحدتا في الفترة نفسها التي توحدت فيها اليمن الديمقراطية مع الجمهورية العربية اليمنية ، وفيما نجحت الوحدة الألمانية وتوطدت خلال عشرين عاما تعثرت الوحدة اليمنية منذ بدايتها وفشلت فشلا ذريعا بعد حرب 94م واحتلال الجنوب بالقوة ، وإلغاء شراكته في الوحدة وما ترتب على ذلك من استباحة للأرض والثروات وإقصاء لأبناء الجنوب في مؤسسات دولة الوحدة العسكرية والمدنية . ومثلما كان لاختيار برلين رمزيه ذات مغزى سياسي فان تناوب ألمانيا والإمارات لرئاسة مؤتمر ا أصدقاء اليمن له أيضا مغزى سياسي وهو أن كلا النظاميين الألماني والإماراتي فيدرالي ، وربما هذا ما تريد الدول المانحة إبلاغه بصورة مباشرة لنظام صنعاء والأطراف السياسية الأخرى وبالذات الحراك الجنوبي ، من أن الفدرالية هي الحل للأوضاع المتفجرة في اليمن وبالذات في الجنوب .

الخلاصة

باستعراض أهم الأحداث التي جرت خلال الأسابيع القليلة الماضية فأن مدلولاتها السياسية تؤشر لنا بشكل واضح وجلي أن النظام في الوقت الراهن هو اضعف بكثير مما كان عليه خلال ال15اعام  الماضية ،أي منذ حرب عام 94م وابرز مظاهر ذلك الضعف ما يلي :-

-          عجزه في تحقيق نصر عسكري حاسم في صعدة كما وعد عندما أقدم على تفجير الحرب السادسة .

-          عجزة في ضرب الحراك السلمي أو إخماده رغم التعزيزات العسكرية التي أرسلها باتجاه محافظات الجنوب ومحاصرة المدن الرئيسية فيها .

- فشله في الحصول على ثقة الدول المانحة عربيا وأجنبيا في مؤتمر الرياض , بعد إصرار الدول المانحة على أهمية قيام النظام بتقديم تقرير للمانحين حول المعوقات التي حالت دون استيعاب اليمن للمبالغ التي اقرها مؤتمر لندن عام 2006م ، بغرض دفع النظام للاعتراف بفشل مؤسساته المختلفة وبضرورة القيام بإصلاحات شامله سياسيه واقتصاديه .

- فشله مؤخرا في السيطرة على أحزاب اللقاء المشترك المعارض من خلال استخدام سياسة العصا والجزرة في التعامل معها ، والتي مارسها منذ حرب 94م كغطاء لتنفيذ مخططه لإلغاء الجنوب كشريك في الوحدة ، واستبدالها بسياسة الضم والإلحاق ونهب الثروات والأراضي في الجنوب .

- تعمده القيام بزيارات ميدانيه لبعض الوحدات العسكرية وإطلاق عبارات التهديد والوعيد ضد الحراك الجنوبي واللقاء المشترك  . وتلك التهديدات في تقديرنا دليل ضعف واضح .

- اعترافه بقوى الحراك الجنوبي علنا ، وان جاء كخطوة تكتيكيه بهدف الاستثمار السياسي في  الداخل والخارج ،إلا أنها أيضا دليل آخر على ضعف النظام 

- إتباع سياسة المهادنة والسكوت  تجاه حزب الرابطة  الذي طرح مؤخرا فكرة الفيدرالية بين الشمال والجنوب كحل لمشكلة الجنوب بعكس الحملات الإعلامية التي شنها النظام على الحزب عندما طرح فكرة الفيدرالية لخمسة أقاليم قبل عامين ،وأيضا ما قام به من حملات مماثله على شخصيات قريبه من النظام مثل السيد صالح باصره والسيد باسندوة وغيرهم ممن تحدث عن  الفدرالية .

- تأجيل الاجتماع الذي كان مقررا لوزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي بمشاركة وزير خارجية اليمن في صنعاء في  16مارس الجاري ،وفي تقديرنا أن تأجيل الاجتماع يعود لأسباب خلاف بيين الجانبيين الخليجي واليمني .ونستطيع القول أن الوزراء الخليجيين كانوا قد تبنوا بالإجماع في اجتماعهم التمهيدي في الرياض الذي عقد قبل أسبوع من الموعد المقرر لاجتماع صنعاء ، فكرة الفيدرالية بين الشمال والجنوب حفاظا لما أسموه بالاستقرار في اليمن والمنطقة . مما حدا بنظام صنعاء رفض فكرة الرعاية و أيضا الفدرالية ،ولكي لا يكون لدى الخليجيين أي مستمسك على النظام، ألغى الأخير لقاء بيروت بين المشترك والمؤتمر الشعبي برعاية أمريكية رسمية  ومن المعهد الديمقراطي الأمريكي

وفي ظل هذه الأجواء ، والأجواء السائدة في منطقة الشرق الأوسط عموما، والتي تخيم عليها مؤشرات حرب شاملة قد تحرق وتذر المنطقة بكاملها ، بسبب التهديدات الإسرائيلية بضرب المنشات النووية الإيرانية إضافة  إلى دخول قوى الممانعة العربية السورية وحزب الله وحماس في الحرب ، بعد إعلان هذه الأطراف أنها لن تترك إسرائيل الانفراد بكل طرف منهم على حده،وربما يدفع ذلك إلى تورط الولايات المتحدة في تلك الحرب. ولان الأخيرة ليست مستعدة للتورط في تلك الحرب التي تريد إشعالها إسرائيل  في المنطقة بسبب مشاركة قواتها وبإعداد كبيرة في حربين في أفغانستان والعراق وأيضا حربها ضد القاعدة وبالذات في باكستان واليمن ، فأنها تبذل حاليا جهودا مكثفة لاحتواء الوضع برمته في المنطقة من خلال استئناف عملية السلام بين الاسرائيلين والفلسطينيين والتركيز أيضا على إنهاء البؤر الرئيسية لتنظيم القاعدة في باكستان واليمن . وبمعنى آخر فان الأوضاع في اليمن هي في صلب الاهتمامات الأمريكية وحلفائها الغربيين وبالذات بريطانيا وغيرهم من دول المنطقة حتى وان بدت الصورة من وجهه نظر العامة توحي بشيء آخر عكس ذلك.

وبسبب التداخل والتشابك للقضايا الرئيسية في المنطقة بعضها ببعض ، فان الصورة الحقيقة للتطورات تشير إلى أن جهودا كبيرة تبذل وراء الكواليس وفي أكثر من عاصمة إقليمية ودولية لإيجاد حل للقضية الجنوبية. وفي تقديرنا فان تلك الجهود سوف تستمر وبوتيرة عالية في النصف الثاني من هذه العام ، بعد أن تضمن الولايات المتحدة هدوا نسبيا في المنطقة، وفوز حزب المحافظين في الانتخابات العامة البريطانية التي ستجري في شهر مايو القادم والذي نتوقع أن يكون أكثر تشددا مع نظام صنعاء فيما يتعلق بقضية الجنوب بسبب مواقفه المعروفة بالمحافظة تجاه القضايا الدولية. علما بان حزب المحافظين كان من المعارضين لانسحاب بريطانيا من شرق قناة السويس (أي من عدن ودول الخليج) وعارض بشدة موقف حكومة هارولد ويلسون العمالية التي أقرت الانسحاب من القاعدة البريطانية في عدن ومنح الجنوب الاستقلال. ومع عودة حزب المحافظين إلى الحكم في بريطانيا في ظل التطورات الخطيرة في الشرق الأوسط ، يبدو أن هناك اتفاقا أمريكيا بريطانيا لملى جزء من الفراغ الذي ستتركه الولايات المتحدة في بعض دول  المنطقة لحليفتها بريطانيا لعدم مقدرتها على المحافظة على انتشارها العسكري الحالي بسبب أوضاعها الاقتصادية ولأنها سوف تضطر في السنتين القادمتين إلى سحب قواتها من العراق وأفغانستان.

مما سبق ذكره يتضح جليا مدى جسامة المسؤولية الملقاة على قادة الحراك الميدانيين على طول وعرض ساحات الجنوب ، في التعامل مع المستجدات المتسارعة جدا باتجاه القضية الجنوبية ،وترتيب أوضاع الحراك في جميع المناطق وبمختلف الاتجاهات بما يتناسب ومع هذا التسارع ، والتعامل بهدوء مع ما يفرضه النظام من حصار عسكري وامني على المناطق ، وامتصاص ما يقوم به من قتل وجرح وملاحقات لنشطا الحراك، والاستمرار في الاندفاع إلى ميادين النضال بنفس القوة التي شهدتها ساحات الجنوب في الأيام الماضية. وتقع على السياسيين الجنوبيين برئاسة الأخ على سالم البيض المسؤولية نفسها في التناغم مع إيقاعات ساحات وميادين الوغاء، والاستعداد لخوض المعركة السياسية الكبرى..

أن الحرية عصية إلا على عشاقها..

  20مارس 2010م

أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg

التعليقات ( تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة
الكلمات الأكثر بحثا
لا توجد مدونات لهذا الموضوع