كبش البيضاني .. والحجة فطوم
/a>
*محمد أحمد البيضاني
قلت للحجة فطوم تلعب فترة الطفولة دورآ هامآ في حياة الإنسان- الطفولة المستقرة تصنع إنسان سعيد في حياته ويحب الخير للآخرين ، كانت طفولتنا سعيدة جدآ ولم يكن لدينا تلفزيون أو لُعب أو دراجات وكثير من الأشياء الموجدة الآن لدي الأطفال ، كان لدينا حجارة وبواكير نحملها ، نلعب كرة قدم أحيانا بعلب فارغة ونحن حفاة بالرغم إن حالة أهلنا ميسورة ، لأن رفاهية الطفولة لم تكن متواجدة تلك الأيام ، وكنت اسأل نفسي لماذا كانت طفولتنا جلفة - السبب عدم وجود الُلعب والملاعب وذلك قبل دخولنا المدرسة ، ولكن كانت طفولة غنية في المواقف الإنسانية والرجولة التي صنعت منا رجال قبل الوقت ، كن نحب ونلعب ونتعارك مع بعض وفي نهاية النهار ننسى المعركة، ونلعب من جديد في اليوم التالي ولا مجال للحقد أو الإنتقام ، ولنا مغامرات وزنقله وشقاوة تاريخية ، كانت "الخيزران التاريخية " سلاح الردع بيد أمهاتنا لتمردنا . كان لنا غزوات و هجمات برية على الحواري الأخرى ونعود بالغنائم من الفتاتير والدراوين و لنا مجالس حرب و صلح ، وأيضا لنا حواري أعداء و أصدقاء ونعقد الأحلاف بعدم الاعتداء .. كان عالم صغير كبير قائم في الحارة. قالت الحجة فطوم أصبر با أعمر ماي فرست بوري.
قالت اصبر يا محمد معي قليل شُربه با أسوي فوقها قليل صانونه مُطافيه وخل ، اعرف يا محمد هذا يعجبك وبعدين حازيني . قلت لها يا حجة فطوم في عام 1950 فُرشت شوارع عدن بالدامر – أي الأسلفت وأختفت الأحجار من شوارع عدن ، وفقد عيال الحافه أهم الأسلحة الفتاكة في معارك الحوافي . في عام 1952 ذهبنا جميعآ إلى مدرسة الدينسي – مدرسة السيلة ، وهناك تعلمنا النظام ووجدنا كثير من الألعاب والدراهين – أي المراجيح وحصة الألعاب البدنية واشتركنا في مباريات مع المدارس الأخرى لجميع الجاليات في عدن . أنتقلنا من العصر الحجري .. عصر اللعب والمعارك بالحجارة إلى عصر المدارس والحضارة . ضحكت الحجة فطوم وقالت دخلتوا على ميدان النظام والحضارة. قلت لها يعود الفضل إلى المدارس و لمدرس وأستاذ الرياضة الأول العدني الأستاذ يوسف حسن السعيدي – 24-8-1918 – 23-8-2009 – هذا الرجل العظيم أدخل الرياضة البدنية إلى المدارس في عدن وعرف أهمية الرياضة البدنية للأطفال وأقام أول دورة أولمبية في الجزيرة العربية بين المدارس في عدن.
قالت الحجة فطوم حازيني يا محمد حازيني محزايه تدخل السلا والفرح على قلبي ، الوحدة اليمنية عَمت قلوبنا ودمرت بيوتنا في رمضان في لودر الباسلة النبيلة . الليلة يا محمد طبخت لك سحور سيكون مفاجأة في نهاية السمره ، هات يا محمد محزايه تبعد الحزن عن القلب. قلت لها يا حجة فطوم السحور مربوط ، قالت نعم . قلت لها أذكر كان عمري 6 سنوات قبل دخولي المدرسة وكان شهر رمضان ومن عادة أبي أن يحضر كبش العيد قبل يوم العيد بأسبوع حتى نفرح به ونطعمه جيدآ . اخدت من أمي مسؤولية العناية بالكبش ، وفي ذلك اليوم بعد أن أطعمت الكبش خطرت لي فكرة رائدة وهي إن الكبش المسكين في حاجة إلى أن يشم الهواء النقي ويتفسح ، كان الكبش في الدور الأرضي من بيتنا ، وأبي وأمي وبقية أخوتي كانوا نائمين في الدور الأول بعد الظهر . ربطت الكبش بحبل وخرجت به إلى الشارع وسرت به فخورآ في الحافه بين إعجاب العيال وألتف حوله عيال الحافه يلعبوا معه وقد سألوني عن أسمه الكريم ، قلت لهم اسمه : كبش البيضاني . عدت بالكبش إلى البيت دون أن تشعر أمي وشعرت إن الكبش كان سعيد بالفسحة والتعرف على عيال الحافه .
ضحكت الحجة فطوم عاليآ وقالت أصبر يا محمد با أجيب لك شاهي ملبن . قلت لها ثاني يوم خرجت بالكبش إلى الشارع ، وفجأة كالبرق خطرت لي "فكرة رائدة" - ركبت فوق الكبش ولم أجد أي مانع من الكبش الصديق وسار بي في الحارة بكل بساطة وأمان وكأنه فرح بالفكرة في أن يتحول من كبش إلى حصان وعدت به إلى البيت قبل صلاة العصر موعد صحو أمي وأبي. وفي اليوم الثالث شاهدني عيال الحافه وأنا ممتطي الكبش كأني عنتر بن شداد يسير فوق حصانه في ديار بني عبس . طلب مني بعض عيال الحافه بعمل رون – أي شوط بالكبش ، فخطرت لي فكرة تجارية رائدة ، وقلت للعيال إن الكبش للإيجار ، وإيجار الرون الواحد نصف شلن ، وبدء عيال الحارة بامتطاء الكبش ودفع الإيجار وعدت إلى البيت بمبلغ محترم . اليوم الرابع كررت العملية وجرت الأمور بشكل جيد ومضت 5 أيام وجرت الفلوس في يدي من تأجير كبش العيد – صديقي العزيز .
وفي اليوم الخامس حدثت الكارثة حين عودتي إلى البيت ، فجأة سمعت صوتآ رهيبآ في الحافه كاد أن يقلبني عن صهوة الكبش ، كان صوت أمي وهي تطل من نافذة البيت وضبطتني في الجُرم المشهود وأنا ممتطي الكبش ، وسرت في الحارة شاردآ ولم أجد أي عذر ، وتوقعت ما بين 2 إلى 4 أروان من خيزران أمي ، دخلت البيت برفقة الكبش وبمجرد أن رأتني أمي قالت : هذا كبش العيد .. وإلا خيل .. با يموت الكبش قبل العيد . ثم احتضنتني وأنفجرت في نوبة ضحك شديدة وتلقيت عفو عام دون عقاب ، وتوبيخ بسيط وإقتصار مسؤوليتي على العناية بالكبش في البيت فقط ، ولكني سألت أمي عن موعد يوم العيد ، فأخبرتني بقى يومين ، وقلت في نفسي : خلاص يا محمد باقي يومين خلي الكبش يرتاح و سأودعه قريبآ ، المهم خرجت من هذه العملية الرائدة .. عملية تأجير كبش العيد لعيال الحافة ، كسبت مبلغ رهيب 18 شلن . صرفتها في العيد بكل بذخ طفولي . وقلت في نفسي وأنا أضحك من أعماقي كيف لو عرفت أمي إني قمت في تأجير الكبش لعيال الحافة - كانت ستضربني أو ستضحك أكثر.في عام الحزن 1956 ماتت أمي بتعسر الولادة - في مستشفى الولادة في عدن ، أراد القدر أن ترافقني حتى نهاية فترة طفولتي .. ولكن ترك رحيلها المبكر في نفسي جرح عميق إلى يومنا هذا .
قالت الحجة فطوم .. كيه أحزي يا محمد ايش السحور ، قلت لها لا أعرف .. قالت زُربيان عدني ، وبسباس أحمر مع العُشار ، وبسباس أخضر مع الخل .. قلت لها شكرآ وبكره با حازيك محزايه عن الزُربيان العدني .
قالت الحجة فطوم .. سحور هناء وعافية لأهلنا .. وعزنا ومجدنا في بلادنا الجنوب العربي .. وإلى اللقاء غدآ في محزايه أخرى من محازي عدن أم الدنيا .. في رمضان المبارك .
*كاتب عدني ومؤرخ سياسي من الجنوب العربي
كوبنهاجن

del.icio.us
Digg
التعليقات ( تعليقات سابقة):
أضف تعليقك