الزواج العدني .. والحجة فطوم
/a>
* محمد أحمد البيضاني
قلت للحجة فطوم لكل البشر في أنحاء العالم طقوس للزواج فكلما كانت الشعوب حضارية كانت الطقوس أكثر تشويق وفي بلادنا عدن الجنوبية العربية تتسم حفلة الزواج بعادات جميلة تترك في النفس أثر وذكرى عظيمة ، ومن الجدير بالذكر ليست هذه الذكرى الجميلة في قلب العروسين فقط ، ولكن في قلوب كل الأهل والأصدقاء وخاصة الأطفال وتترك في أنفسهم ذكرى جميلة .. الكل يشارك ويساهم في الفرحة . قالت الحجة فطوم في العرس تصبح الفرحة فرحت الجميع .. وهذا هو سر عظمة الزواج العدني – فرحة الجميع، فيشعر كل طفل إنه هو العريس ، وتشعر كل طفلة إنها هي العروس .. تقاليد خالدة في أمة تاريخية قديمة. قلت للحجة فطوم واليوم وأنا في خريف العمر مازالت ذكرى بعض حفلات الزواج في حارتنا - حارة القاضي محفورة في قلبي وكياني .. وستبقى معي إلى الأبد .. كان كرنفال إنساني رائع .. كرنفال ملون بالحب والفرحة في قلوب الناس .. هذه الذكرى العاطرة في تاريخ أمة من خير أمم الأرض. قالت الحجة فطوم أصبر يا محمد با أعمر ماي فرست بوري وبا جيبلك مُدربش وباجيه وسمبوسه ، وبسباس أحمر على خل .
تبدأ قصة الزواج العدني في إرسال عجوز من الحارة إلى بيت العروسة في رحلة إستكشاف ومعرفة حسن النوايا والقبول وتقديم المقدمة التاريخية إلى أم العروسة بتلك الديباجة الخالدة .. وهي المقدمة البليغة كمقدمة ابن خلدون – القائلة : "والله يا حجة - تعرفي غسان درس 6 أبواك إنجليزي في مدرسة البادري ويتكلم إنجليزي بلبل ، والله يا حجة أم فوزية لو تشوفيه لما يُرطن إنجليزي با تقولي عنه خلق في لندن – حافة بيز واتر – مُش في حافة العجايز - معه رطنه إنجليزي فص قلص – أي First class ، ما شاء الله غسان يشتغل في آرم بوليس – البوليس المسلح برتبة جمعدار (كلمة هندية وتعني ضابط) ملازم ثاني - غسان هفسر من الهفسرات الكبار – أي Officer ، مشاهرته 800 شلن ويلاقي أحيانآ هبر تيم –Over time وعنده بيت في كامب آرم بوليس ، بيت من بيوت الهفسرات الكبار ، وكمان قد قدم إلى الكمشنر حق البوليس منشان يحصل على لون –Loan ..سلفه با يشتري بابور أوستن كاش مش هفته (بالتقسيط) وكمان يا حجة أم فوزية - غسان من عيال الحافه مُش غريب وتعلم هو وفوزية في معلامة الفقي زغير – حارة بيت النورجي .. غسان وفوزية لعبوا سوى في حافة القاضي .
ضحكت الحجة فطوم عاليآ وقلت اصبر يا محمد با أجيب لك شاهي ملبن ، وبعدين حازيني عن قصة غسان وفوزية زي قصة عبلة وعنتر في السينما المصرية ، وقصة هيما ماليني و دارماندرا في الأفلام الهندية . حين تجد الخاطبة الموافقة والقبول من أم فوزية وبعد موافقة الأب ، هنا يذهب الأب وغسان ابنه وعُقال الحافة والأصدقاء إلى بيت العروسة للإتفاق على مراسم الزواج الذي يعلن بغطارف – أي زغاريد من الحريم في الداخل ، مثل "الزيتي" – أي الصفارة حق الحكم في مباراة كرة القدم تعلن بداية المباراة .. إنها أطول وأجمل مباراة في الحياة .. إنه الرباط المقدس في الحياة الزوجية الكريمة التي أساسها الإحترام والرحمة وتربية الأجيال. بعد هذا تدور قلاصات الفميتو بين الضيوف ، ويستمر غطارف الحريم بكل الفرحة في إعلان بداية مشوار جديد في الحياة سارت عليه أمهاتنا وآبائنا .. مشوار الحياة المقدس – الزواج. يحدد بعد ذلك التاريخ لبداية مراسيم الزواج .
يذهب العريس لشراء 2 خواتم ذهب – دبل ، وتقام حفلة تضم الأهل وبعض الأصدقاء من أهل الحافه ويرسل بيت العريس الدبله في صندوق فاخر ، و4 أو 10 معاشر – أي صحون كبيرة فاخرة ملونه تُملاء بالمشموم والحنون والفل والحلاوة في قراطيس - حلاوة بيضاء أبو سكر ، وكثير من شكوليت البُن والنعنع ، ويسمى هذا "المُكعس" ضحكت الحجة فطوم وقالت بأسى .. أختفى يا محمد كل هذا وأصبحت الناس مشغولة في الجري وراء الحياة وليس عند أحد وقت لكل هذه العادات .. إنها ضريبة التقدم المادي والتقنية. قلت لها أذكر في عُرس ابن حافتنا عبدالله حسن زوقري ، خرج طابور من صحون المُكعس ونحن نلعب كرة القدم في الحارة فتوقفنا عن اللعب ورافقنا المُكعس بصفتنا جيران العريس والعروسة وكمان عيال الحافة ، خرج المُكعس بزفة و سيل من الغطارف والغناء من حريم الحافة .
يا حجة فطوم .. رافقنا الموكب المهيب إلي بيت جدتي المرحومة منى بنت غُباشي – أم العروسة وبعد توزيع الصحون على الحريم الضيوف بقى كثير من الحلوى في الصحون تركت في الداره بدون حسيب أو رقيب ، فقمنا بهجوم كاسح على الصحون الباقية نأكل منها تارة ، وتارة أخرى نملئ جيوبنا بالحلوى ، ودارت بين عيال حافة القاضي معركة عنيفة للحصول على الكثير من الحلوى ، دبت الفوضى في الحفلة وعلت أصواتنا في المعركة في حفلة المُكعس – ولسان حالنا لا صوت يعلو صوت المعركة . خرجت جدتي مُنى بنت غُباشي تحمل الخيزران وضربت الجميع عدة أروان ، كانت أمي متواجدة في الحفلة سمعت صوتي في خضم المعركة وعرفت بالأمر دون أي مُحارشه وحين عادت إلى المنزل اخدت رون من خيرزان أمي دون أي نقاش ، رون بالخيزران يليق بهذه المناسبة التاريخية ولأنهم أيضآ قالوا لها أني كنت السبب في الفوضى والمضرابه ، ولم أُبالي بالرون الخيزراني لأن جيوبي كانت منتفخة بأنواع الحلوى والشوكليت إضافة إلى ما قد أكلت من كمية رهيبة في الحفلة. وفي الحقيقة كان سبب الفوضى و المضرابه صالح زيدان الذي دارت بينه وبين نجيب صالح عبداللاه معركة ومُدارجه ، ثم أشتبك الجميع في المعركة بسبب آخر قرطاس حلاوة في الصحون . قالت الحجة فطوم ضاحكة سبب المعركة كان آخر قرطاس حلاوة .
يا حجة فطوم بعدها يقيم العريس "مخدره"- أي سرادق في الحارة ، ويقوم بدعوة الأهل والأصدقاء والأقارب وكل المعاريف ، والبعض يحضر مجاملة لصديق أو قريب حتى ولو لم توجه له دعوة ، كان مجتمع عدن – مجتمع حضاري إنساني نادر . العريس يجلس على مرتفع في مقدمة المخدرة والجميع داكين ومخزنين قات وحين يحضر أي مدعو يقوم المُعدرس الواقف في مدخل المخدره ومعه مساعده يدق الطبل في الترحيب به ومدحه بقوله : " عروس .. عروس .. حياك .. حيا بوك .. حياك .. حيا بوك" حتى يصل إلى العريس ويقوم بالسلام عليه وتهنئة ويعطيه مبلغ من المال هدية ومعاونة في مصاريف الزواج ويسمى ذلك بالعدني "النُقط" ويطلق علية أخواننا أهل الريف "الرفد" ، وبعدها يزف المُعدرس الضيف إلى مكانه بعد إستلام هدية مبلغ من المال. بعض المخادر تحضر فنان للغناء والبعض الآخر يحضر مسجلة وأشرطة غنائية .
قلت للحجة فطوم سوف أحازيك بقية محزايه الزواج العدني ، أحازيك عن قصة تاريخية جميلة .. محزاية صندوق زواج أمي .. بوشت تخته ، وقد يسمع الجيل الجديد هذه الكلمة لأول مره .. إلى اللقاء غدآ لأكمل لك بقية محزاية الزواج العدني .. و"بوشت تخته".
قالت الحجة فطوم ايش تشتي من سحور . قلت لها خاور فته خبز مع اللبن . قالت حاضر.
تقول الحجة فطوم .. سحور هناء وعافية لكل أهلنا في الجنوبية العربية .. وإلى اللقاء في محزايه أخرى من محازي عدن عاصمتنا .. في شهر رمضان المبارك .
بوشت تخته .. والحجة فطوم
يا حجة فطوم .. سنكمل قصة الزواج العدني . يحدد موعد الزفاف وتقام في الحافة مخدره للحريم وقبل يوم الزفاف ، تقام ليلة "الحناء" والخضاب للحريم ، ويقوموا بعمل الحناء وأيضآ الخضاب للعروسة وتشارك كل نساء الأهل والمعاريف في الخضاب والحناء إظهار الفرحة والمشاركة في الزواج ، ومن عظمة الإنسانية في مجتمع عدن العظيم إن النساء الفقيرات يجدوا الفرصة في ذلك اليوم لعمل الخضاب والحناء الذي يكون على حساب أهل العروسة ، فرحة تشمل الجميع . تجهز العروسة ثم تزف من البيت إلى داخل المخدره على صوت دق الطبول وغناء "المُطبله" ويرقص النساء أمام العروسة وتغنى أغنية العرس " قُمري شلوا بنتنا .. قُمري شلها وراح .. قُمري عاشق الملاح ." ومن الجميل في الأمر كان يحضر إلى حفلة الزواج نساء من الحارات البعيدة وهن ليس من المدعوات الرسميات ، يُطلق عليهم أسم "المُغرغره" والجمع "المغرارات" ويحضروا وهم لابسين الشيدر العدني ومنقبات ولا أحد يعرفهم ، كانوا يأتوا لرؤية العروسة فقط وليس المشاركة وتعطى لهم كراسي في الخلف والجوانب ولا يسمح لهم في الرقص في حفلة الزوج ، ولا أحد يستطيع ان يتعرف على شخصيتهم بسبب النقاب ... أو كما يطلق على النقاب في اللهجة العدنية كلمة "الخُنه" .. ويطلق أيضا على المدعوات الغير رسميات "المُخننه" – من كلمة "خُنه" .
ثم تأتي "النشره" وهي صحون جميلة ملونه تملاء بالمشموم ، الحنون ، الكادي ، الفل ، والحلوى ويوزع على المدعوات من النساء وفي الخارج تُصف الكراسي حيث يجلس العريس مع الأهل والأصدقاء وتوزع قلاصات الفيمتو البارد أو كيتي كولا بارد والحلوى. هناك جانب إنساني تاريخي في غاية الأهمية عن الفرقة الموسيقية النحاسية – فرقة ارم بوليس – البوليس المسلح تحضر إلى حفلة الزواج وتعزف الألحان الجميلة. كانت هذا الفرقة العظيمة التاريخية تشارك في فرحة الناس وتحضر الفرقة بطلب من أهل العريس يُقدم إلى القائد البريطاني للبوليس المسلح وهذا الحضور مجانا هدية من البوليس المسلح للعريس. ويشارك أيضا مجموعة من قوة بوليس عدن لتنظيم المرور والمحافظة على الأمن. الحجة فطوم أبتسمت بمرارة ولمع في عيونها بريق غريب وقالت حتى البوليس المسلح وبريطانيا العظمى تشارك الناس أفراحهم ، وعند زواج الشخصيات الكبيرة يحضر حاكم عدن الوالي حفلة الزواج ويجلس بين الناس .. واليوم عصابة الوحدة اليمنية دمرت كل شئ جميل في حياتنا .. تريد أن تمحو الهوية والتاريخ .. قتلت الفرحة والإنسان.
بعدها تخرج العروسة في رتل من السيارات بين غطارف - زغاريد النساء ودق الطبول والغناء ويركب العريس السيارة مع مجموعة من السيارات ويتوجه الموكب على صوت الطبول وأهوان - منبهات السيارات ، وتمر السيارات للبركة بجانب مسجد العيدروس ولي عدن. قلت يا حجة فطوم في العشرينيات والثلاثينات قبل دخول السيارات إلى عدن ، كانت الجواري - عربات الخيل الأنيقة المزينة بالسراجات تقوم مقام التاكسي ، وكانت العروسة تُزف بجاري خيل وعلى جوانب العربة تسير النساء حاملين السراجات والنوارت والطبول في زفة جميلة ، وحين وصول العروسة إلي بيت العريس ، هنا يغني النساء أغنية جميلة تمدح العريس ويطلبوا منها النزول . فترد العروس : حلفت ما أنزل .. حلفت ما أنزل . ويستمر هذا لبعض الوقت حتى تنزل . كان معظم سائقي جواري - عربات الخيل من أبناء الصومال، في أحد المرات كانت حفلة زواج وبقى السائق منتظر العروسة وهي ترفض النزول وأعتقد إن هذا الأمر جاد وسوف يستمر إلى الصباح . فصرخ : ليش ما تشتي تنسلي – أي تنزلي .. ليش تسوي سواج – أي زواج .. دفعتي 5 روبيات .. صومالي وجاري خيل يجلس إلى السُبح – أي الصباح .. أنسلي .. أنسلي.
ضحكت الحجة فطوم عاليآ وقالت أصبر يا محمد با أجيب لك كيك وغُريبات وشاهي وبا أعمر ماي فرست بوري .. بعدين حازيني عن بوشت تخته . هذه الكلمة جاءت من اللغة الهندية – وأعتقد معناها الصندوق الفاخر لأن هذا الصندوق كان يُصنع في الهند .. صندوق خشبي جميل أسود اللون مصنوع من خشب المُوهجني Mahogany الغالي الفاخر وفيه نقوش جميلة حُفرت باليد على كل جسم الصندوق ومرصع "بالصفر" أي النحاس الأصفر الغالي .. لوحة وتحفة فنية نادرة تخطف الأبصار. في العشرينيات والثلاثينات لم تكن توجد الكباتات – أي الدواليب لحفظ الثياب ، كان هذا الصندوق الفاخر يذهب مع العروسة إلى بيت العريس لحفظ الثياب ، وما زلت أذكر حتى يومنا هذا كأن الصورة أمام عيوني الآن .. صندوق زواج أمي – بوشت تخته ، حَفرت هذه الصورة في كياني وفي أعماق أعماقي كما حُفرت تلك النقوش الجميلة على صندوق أمي .. إنها تاريخي وتاريخ أهلي وبلادي. سيبقى بوشت تخته .. في قلب كل عدني وعدنية .. إلى الأبد .
في عام 1982 ذهبت إلى أستراليا في دورة تدريبية لمدة 6 أشهر في مجال التجارة الأسترالية بحكم عملي مع هيئة التجارة الأسترالية. دعاني لتناول العشاء في بيته رجل عظيم هو السيد جف هيل – المدير العام للشرق الأوسط وإفريقيا وجنوبي شرق آسيا ، كان رجلآ فاضلآ وأعطاني كثير من الفرص التي غيرت مجرى حياتي في مجال عملي ، كان موقع عملي في السفارة الأسترالية في جدة السعودية. في كانبيرا استقبلتني عائلة هذا الرجل الكريم بكل مودة مما عمق إرتباطي بهم ، ومن ذكراهم العطرة هذه القصة الظريفة الهامة . حين جلوسي على طاولة الطعام لمحت في صالة غرفة الجلوس الخالد الذكر .. بوشت تخته ، نهضت فجأة من مقعدي وتوجهت بذهول نحو بوشت تخته – ووقفت أمامه ولمسته بيدي بإعجاب شديد - كأن الزمن قد عاد بي 30 سنة إلى الوراء ، نقلني من الحاضر إلى الماضي في ثواني. تذكرت بلادي وطفولتي .. وصندوق أمي .. بوشت تخته.
عدت إلى مقعدي وتساءلت زوجة صديقي مارلين عن الموضوع ، فحكيت لها قصة بوشت تخته التاريخية في حياتنا، قالت مارلين أنها أشترته من الهند منذ 15 سنة ولا تعرف تاريخه. بعد العشاء طلبت مني أن نأخذ صورة للذكرى بجانب بوشت تخته . وقبل مغادرتي منزلهم قالت لي بتأثر شديد: يا محمد.. أشتريت هذا الصندوق من الهند كقطعة فنية ببضعة الآلاف من الروبيات الهندية .. ولكن اليوم يساوي عندي ملاين الدولارات .. وأكثر من هذا أصبح له معنى إنساني عميق يحكي قصة تاريخ بلادكم الحضارية. يا محمد .. سوف نتذكرك .. في بيتنا أمامنا دومآ.. بوشت تخته.
قالت الحجة فطوم .. ايش تشتي سحور. قلت خاور هريسه وسمن وعسل . قالت حاضر.
قالت الحجة فطوم .. سحور هناء وعافية لأهل الوطن .. وطننا الجميل الشجاع الجنوب العربي أرض البطولة والتاريخ .. وإلى اللقاء في محزايه أخرى من محازي عدن .. في رمضان المبارك .
*كاتب عدني ومؤرخ سياسي من الجنوب العربي
كوبنهاجن
del.icio.us
Digg
التعليقات ( تعليقات سابقة):
أضف تعليقك